محمد هادي معرفة
355
التمهيد في علوم القرآن
والأذى لا تثمر شيئا ولا تبقى ، فينقل إليهم هذا المعنى المجرّد في صورة حسّية متخيّلة على النحو التالي : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً « 1 » ويدعهم يتملّون « 2 » هيئة الحجر الصلب المستوي ، غطّته طبقة خفيفة من التراب فظنّت فيه الخصوبة ، فإذا وابل من المطر يصيبه ، وبدلا من أن يهيّئه للخصب والنماء - كما هي شيمة الأرض تجودها السماء - أذابه - كما هو المنظور - يتركه صلدا ، وتذهب تلك الطبقة الخفيفة التي كانت تستره ، وتخيّل فيه الخير والخصوبة . ثم يمضي في التصوير لإبراز المعنى المقابل لمعنى الرياء : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ « 3 » فهنا الوجه الثاني للصورة ، والصفحة المقابلة للصفحة الأولى . فهذه الصدقات التي تنفق ابتغاء مرضاة اللّه هي في هذه المرة كالجنة ، لا كحفنة من تراب ، وإذا كانت حفنة التراب هناك على وجه صفوان فالجنة هنا فوق ربوة ، وهكذا هو الوابل مشتركا بين الحالتين ، ولكنّه في الحالة الأولى يمحو ويمحق وفي الحالة الثانية يربي ويخصب . ولو أنّ هذا الوابل لم يصبها فإنّ فيها من الخصب والاستعداد للإنبات ما يجعل القليل من المطر يهزّها ويحييها :
--> ( 1 ) البقرة : 264 ، والصلد : النقي . ( 2 ) تمل الشيء : تأمله وقلبه لينظر فيه . ( 3 ) البقرة : 265 .